يحار عامة الناس وغيرهم، من آباء وأولياء المتعلمين، وبعض هيئات التدريس والإدارة والتفتيش... وممثلو جمعيات المجتمع المدني، وغيرهم ممن يتبادر إلى مخيلتهم الحديث عن شأن التربية والتعليم بالمغرب، في من يتحمل مسؤولية تدني مستوى التربية والتعليم، وغالبا ما يكون الجواب عن هذه المسألة هو تقصير المدرسين في أداء واجباتهم، ذلك أن هذه الفئة - أعني المدرسين - هي الوحيدة التي يستطيع عامة الناس ملاحظتهم وانتقادهم انتقادا غالبا ما لا يكون مبنيا على أساس متين، وبالتالي يحملونها المسؤولية كل المسؤولية في ما آلت إليه المنظومة التربوية.
والحال أن خلف فشل التربية والتعليم بالمغرب عوامل كثيرة تتمثل - على الأقل - في الأسس التي قام عليها بناء منظومة التعليم، والأهداف التي رسمت ليحققها، والمناهج والبرامج التي أعدت لتحقيق هذه الغايات. ثم تأتي بعد ذلك دوافع واضح المعالم كحالات المؤسسات التعليمية، وظروف وأوضاع أطر التدريس والإدارة، وهلم جرا...
ولكي لا أقف موقف المدافع عن الباطل، أقول : إن مما لا ينكره العقل السليم أن بعض أطر التدريس وسواهم من الإداريين والمؤطرين التربويين...عليهم ما عليهم من أوزار، إلا أن هذا الأمر قد لا يكون بالضرورة راجعا إلى نزواتهم ورغباتهم ومآربهم الشخصية، بل إن ما رصد آنفا من العوامل التي أثرت وما زالت تؤثر سلبا على مردودية التربية والتعليم بالمغرب، هي التي قد تشكل العائق الأساس والوتر الحساس في عدم القيام بواجباتهم على أكمل وجه وأتم شكل، أو على الأقل هي التي تفرض عليهم هذا التقصير.
لما كانت حالة أطر التدريس بالمغرب، وما يعيشونه من مآزق، تشكل إحدى العوائق التي تحول دون اتقان القيام بمهامهم وأدوارهم، ارتأيت أن أجعل مسألة من المسائل التي يشتكى منها، ألا وهي المساواة بين جميع أطر أسلاك التعليم المدرسي، أكثر وضوحا وجلاء.
قد لا يخفى على كثير من رجال التعليم ونساءه ما تعانيه مدة التكوين الأساسي، التي يتلقاها الطلبة الأساتذة، من قصر واختصار، الأمر الذي أشار إليه تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2008. وبدل أن تقوم الوزارة الوصية بتدارك الأمر وبذل الجهود للرفع من المدة التي وجب تخصيصها لكل سلك من أسلاك التعليم لتتساوى - على الأقل - مع المعدلات الدولية، قامت بعكس ذلك، حيث وظفت عددا لا يستهان به من الطلبة المجازين كأساتذة للتعليم الابتدائي، أو الثانوي الإعدادي، أو الثانوي التأهيلي من الدرجة الثانية دون تلقيهم لتكوين أساسي حقيقي، وذلك بمبرر وجود خصاص في كل أسلاك التعليم، وبموجب المخطط الاستعجالي. بينما كان يقبع الآلاف من الأساتذة المجازين خريجي مراكز تكوين المعلمين والمعلمات أو المراكز التربوية الجهوية في الدرجة الثالثة، وكذلك كان ومازال إخواننا يقبعون في هذه الدرجة سنوات طوال دون أدنى تغيير.
إن توظيف أطر للتدريس دون تكوين أساسي يشكل مستنقعا من السلبيات أكثر مما يملأ فراغا ويسد خصاصا. هذا على مستوى التأثير السلبي المباشر على المنظومة التربوية، ذلك أن هذه العملية التي أقدمت عليها الوزارة لها تأثير بل تأثيرات سلبية غير مباشرة على مردودية التربية والتعليم ببلادنا، إذ أن توظيف طلبة حاصلين على الإجازة كأساتذة للتعليم الثانوي التأهيلي من الدرجة الثانية دون قضاء فترة التكوين الأساسي يعد اجحافا في حق أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي المجازين والحاصلين أيضا على دبلوم التخرج من مراكز تكوين المعلمين والمعلمات أو من المراكز التربوية الجهوية. وصحيح أن بعض هؤلاء الأساتذة قد تمت تسوية وضعياتهم، وتم تصنيفهم كأساتذة من الدرجة الثانية ، وإن كان ذلك أمرا استثنائيا فقط. وهذا لم يكن ميزة منحت للأساتذة المجازين، ولا حقا أعطي بطيب خاطر الوزارة أو نتيجة جهد بذلته النقابات، بل كان حقا أخذ من طرف المجازين المعنيين نتاجا وحصيلة لنضالات قادوها بأنفسهم.
مهما يكن من أمر، فإن إحساس أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي المجازين خريجي مراكز التكوين بأن هناك أمورا لا تنصفهم ولا تجعلهم متساوين مع زملائهم،الموظفون بشكل مباشر، رغم تفوقهم عليهم بحصولهم على دبلومات التخرج من المراكز، من شأنه أن ينزل بجهود المدرسين دركات. وبالتالي التأثير سلبا على مسار تعلم الأطفال المغاربة ككل.
كان من المنطقي أن يوظف أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي كأساتذة للتعليم الثانوي التأهيلي قبل غيرهم من المجازين، إذ أنهم أولى بالأمر لما سبق ذكره، كما أن تخصصات عدد كبير من أساتذة التعليم الابتدائي تبتعد كثيرا عما يدرس بالمدرسة الابتدائية المغربية. فإذا ما فكرنا في الأمر مليا، وغصنا في أعماق النضالات التي تقودها كل فئات أطر التدريس وغيرهم، لوجدنا أنها -أعني النضالات- مصلحة للمتعلم وللمنظومة التربوية بأسرها أكثر مما هي مصلحة شخصية بسيطة للمدرس.
ثم إن هذا لا يعني بأي ضرب من الضروب أننا ضد توظيف زملائنا الطلبة المعطلين، أو أننا نطالبهم بعدم إرسال ملفاتهم للحصول على وظيفة، بل إننا معهم في نضالاتهم قلبا وقالبا، وأننا معهم في مطالبتهم بحقهم في الشغل. لكن ما يطالب به كل غيور على أبناء المغرب وتربيتهم هو خضوع كل من وظف للقيام بمهمة التدريس - على وجه الخصوص - لتكوين أساسي، وإن كانت مدة هذا التكوين الحالية غير كافية على الإطلاق.
صفوة القول أنه إن كان العدل أساس الملك حسب قول ابن خلدون، فإنني أقول - ولا أنزل نفسي منزلة ابن خلدون، ولا منزلة منتقديه، ولا منزلة المعقبين على فكره وكلامه - أن العدل أساس كل شيء، وإن كان أن تعدل بين صخرين أصمين. فإن الله عز وجل أمر بالعدل في مواطن كثيرة في القرآن الكريم. قال عز من قائل: " فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم." وقال أيضا: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا."
|